You are using an outdated browser. For a faster, safer browsing experience, upgrade for free today.



  •  

     المدخل: أجواء العولمة

    المعادل الفارسي: فضای جهانی شدن

    المعادل الإنجليزي: Globalization space

    التعريف:

    في الوقت الذي يعتبر فيه البعض أنّ العولمة تؤرّخ لبداية البشرية٬ يعتقد بعض آخر أنّها عملية متأخرة و ذات صلة بالربع الأخير من القرن العشرين٬ فيما يرى فريق ثالث أنّ العولمة توأم التجدّد (الحداثة) و العصرنة و قد نشأت و ترعرعت في ظلّ تطوّر الرأسمالية. لقد أصبح مصطلح العولمة اليوم من مستلزمات ما بعد التجدّد أو ما بعد الحداثة٬ و الذي شاع و انتشر منذ عقد التسعينات من القرن الماضي في الأوساط العلمية و السياسية و الاقتصادية و الثقافية (1). إذن٬ وفق هذا المصطلح٬ فإنّ العولمة عبارة عن مرحلة من تاريخ البشرية تأخذ العلاقات الاجتماعية الإنسانية شكلاً متماهياً تصبح فيه "بلا حدود" و "بلا أزمنة"؛ بحيث تكون حياة البشر على سطح الكرة الأرضية بمثابة مكان واحد٬ و تنتظم٬ بالتالي٬ في إطار نظرة معينة و موحدة نحو الحياة (2).

    بعد انحلال الحكومة الشيوعية في الاتحاد السوفيتي السابق٬ بادر النظام الرأسمالي بكل ما أوتي من سرعة إلى الهيمنة على العالم٬ و منذ ذلك الوقت و حتى اليوم٬ يتسارع تعجيل حركة العولمة للكارتيلات الصناعية الكبرى الغربية٬ و البنوك و أسواق المال٬ فأصبحت القرارات التي يتّخذها المدراء و الرؤساء الكبار و أصحاب النفوذ في مدن نيويورك و فرانكفورت و باريس و لندن تمتدّ بتأثيرها إلى أقصى نقاط الأرض في آسيا و أفريقيا و أمريكا الجنوبية.

    النص:

    لا شكّ في أنّ كلمة العولمة كانت في السنوات الأخيرة من أكثر الكلمات استعمالاً و رواجاً في أروقة صنع القرار الاقتصادي و الثقافي و السياسي الداخلي و الدولي للبلدان و كذلك مادةً للبحوث الأكاديمية و الصحفية.

    و على الرغم من الاستخدامات المتزايدة لهذه الكلمة٬ إلّا أنّ معناها و مفهومها ما يزالان موضع نقاش و جدل. و في ضوء الزاوية التي سيُنظر من خلالها إلى العولمة٬ فإنّها ستكتسب معنىً خاصاً و مختلفاً بدءاً بـ "العولمة" و "الغربنة" إلى "الأمركة". لقد أدّى هذا الاختلاف في زوايا الرؤى إلى أن ينظر فريق من المجتمعات و الأفراد نظرة خاصة و إيجابية تماماً إلى ظاهرة العولمة بوصفها فرصة سانحة (على سبيل المثال نمو المؤشرات العالمية للاقتصاد مثل الإنتاج العالمي٬ و الصادرات٬ و ردم الهوّة بين البلدان الفقيرة و البلدان الغنية٬ و تعرّف المجتمعات على ثقافات مختلفة)٬ و في المقابل ينظر فريق آخر من الأفراد و المجتمعات إلى هذه الظاهرة على أنّها أمر سلبي (كأن يزداد الأغنياء غنىً٬ و الفقراء فقراً٬ و تغيير و تدمير العديد من القيم الثقافية الاجتماعية٬ و الطابع الاستهلاكي للمجتمعات٬ و تماهي الحدود الجغرافية و الأهم من كل هذا ظهور مفاهيم من قبيل: هيمنة القوى الكبرى٬ التسلّط٬ التحقير٬ التدخل٬ الغزو الثقافي و أزمة الهوية.

    ربما تشكّل التجارة العالمية و الاستثمارات المباشرة الأجنبية و سائر الاستثمارات وعولمة الإنتاج من أهم أدوات العولمة. في الوقت نفسه٬ تمتاز هذه الظاهرة بالعديد من الخصوصيات نستعرضها كما يلي:

    1-      الاندماج الواسع و العميق للاقتصادات الوطنية عبر التجارة و الاستثمار المباشر و سائر تيارات الاستثمار؛

    2-      ازدياد النشاطات و انسيابية و سيولة أسواق الاستثمار العالمي؛

    3-      شفافية التمايز بين النشاطات الإنتاجية و الخدمية ما يفضي بالنتيجة إلى تزايد أهمية المعلومات و الاندماج الألكتروني للأشخاص و الوكالات و الأسواق.

    4-      حوسبة (رقمنة) الاقتصاد٬ و الحركة من تجارة السلع إلى تجارة المعلومات٬ بالتواكب مع حركة الأسواق من المجال الجغرافي إلى المجال الفضائي؛

    5-      ضغط الزمان المجال٬ و الوعي المتزامن للحوادث و الوقائع و الأفكار في مختلف أنحاء العالم (3).

    في السنوات الأخيرة٬ ظهرت٬ تحت ضغط قوى العولمة٬ ثلاثة متغيرات في القضايا الأمنية. المتغيّر الأول هو أنّ استخدام العنف كوسيلة أو أداة لحفظ أمن العناصر الثلاثة للحاكمية قد فقد إلى حدّ ما دوره و أهميته. و ليس المقصود بذلك أنّ العنف انتفى تأثيره٬ إذ لا تزال القوى الكبرى تستعير في مجال الاستراتيجيات الأمنية مصطلحات من قبيل مسرح القتال العالمي (4). الموضوع هو٬ في الأغلب٬ إنّ إدانات المجتمع الدولي تزداد يوماً بعد آخر لقضية استخدام العنف٬ و في مواقف عديدة عبّر عن احتجاجه من خلال إبداء ردود أفعال غاضبة٬ مثل حملة الولايات المتحدة على العراق و أفغانستان٬ و الأمر الآخر هو أنّ موضوع الأمن في عصر العولمة أصبح شيئاً مختلفاً تماماً.

    هذا٬ بينما كان مفهوم الأمن في الماضي القريب يدور في نطاق ضيق لا يتعدّى مفهوم الأمن القومي٬ و لكن في عصر العولمة بدأ الأمن العالمي يحظى باهتمام و تركيز أكثر قياساً بمفهوم الأمن القومي.

    في مضمار العولمة٬ يتحوّل الإنسان بشكل متزايد إلى موضوع أمني٬ فقد صار أمن الإنسان يستحوذ على الاهتمام و يغطّي شيئاً فشيئاً على باقي مجالات الأمن الأخرى. فأمن الحكومة لا يمكن أن يبرّر قمع الشعب و القضاء على تطلعاته. فسرعان ما تتّخذ المخالفات التي تحصل في هذا المجال (و في بعض الأحيان موضوع يتعلّق بالأمن القومي) بعداً عالمياً٬ فتبادر مئات المنظمات و المؤسسات و الدول إلى تعبئة طاقات العالم و قدراته للدفاع عن حقوق الإنسان و دعمها (أو باسم هذه الحقوق تسمح لنفسها بالتدخّل في الشؤون الداخلية للبلدان الأخرى). لقد اكتسب مفهوم الأمن معنىً واسعاً٬ و أصبحت العديد من المفاهيم تشكّل المحاور الأساسية للأمن٬ محاور نظير البيئة٬ و الديمقراطية٬ و الأمن الاقتصادي٬ و الاستقلال و المجتمع المدني ... إلى غير ذلك (5). لقد خلقت العلاقة بين مثلث الأمن و التهديد و العنف وضعاً معقداً للغاية. و لم يعد جوهر التهديدات أو مصدرها في عصر العولمة عسكرياً فحسب٬ و إنّما ينحى هذا التهديد منحىً فكرياً برامجياً٬ ليصبح التهديد داخلياً و خارجياً في آنٍ معاً٬ و ليكتسب مع مرور الوقت و بشكل متزايد أبعاداً اجتماعية و ثقافية و اتصالاتية (على سبيل المثال الحرب الناعمة)٬ فيتغيّر العنف و تتغيّر استخداماته أيضاً.

    إنّ دور العنف أو القوة آخذٌ بالانحسار٬ على العكس ممّا كان عليه الحال في الماضي٬ إذ قلّما يتم اللجوء إليه في الوقت الحاضر لحلّ النزاعات بين الدول٬ لكنّ دوره٬ في المقابل٬ يتعاظم في حلّ النزاعات القومية و المذهبية و العرقية (و التي في معظمها لا علاقة مباشرة لها بالدول). و العنف المنظّم المتنامي هو عنف غير حكومي (مثل تنظيم القاعدة و تنظيم داعش). و خلاصة القول٬ إنّ العنف ضدّ المواطنين بوصفه وسيلة أو أداة حكومية بدأ يفقد دوره و أهميته إلى حدّ بعيد. لقد عملت الاعتبارات المذكورة آنفاً على إحداث تحوّل في العلاقة بين المواطن و المجتمع من جهة و بين الحكومة من جهة ثانية٬ و صارت قضية الأمن تُطرح على طاولة النقاش مرة ثانية و في إطار جديد.

    لقد تعرّض كل ضلع من أضلاع مثلث الأمن و التهديد و العنف لتحوّلات بنيوية و أساسية. و الحقيقة إنّ الأوضاع السكانية و الثقافية و الاقتصادية و الدينية و القومية و التاريخية و مسار التحوّل في هذه الأوضاع المذكورة مع طبيعة العلاقة بين كل من هذه الأبعاد٬ أقول كل هذه الأمور خلقت حالة استثنائية على درجة كبيرة من التعقيد جعلت من القضايا الأمنية أمراً غير قابل للتنبّؤ و الاستشراف؛ لا سيّما و أنّ الأمن يعتبر من القضايا التي يُبدي مختلف اللاعبين تجاهه حساسية أكبر. في العولمة٬ اختلفت النظرة إلى السلطة على النقيض من النظرة التقليدية التي كانت سائدة و التي هي نظرة من فوق إلى تحت. لم يعد العنف عنصراً يتحكّم بالسلوك و الأداء٬ إذ فقد مشروعيته إلى حدّ بعيد. و برز على الصعيد العالمي لاعبون كثر يفتقدون إلى خصوصية إظهار العنف أو يفتقدون القدرة على فرض السيطرة٬ لكنّ تأثيرها في الأحداث ازداد أضعافاً مضاعفة (البنك الدولي٬ صندوق النقد الدولي٬ و سائر المؤسسات المالية الدولية). إنّ السلطة (العنف) تغادر موقعها شيئاً فشيئاً في العلاقات الدولية لتحلّ محلها المراقبة (6).

    أحد أهم الميادين الأمنية هو جوهر السلطة و خصوصياتها في عصر العولمة و التي تتّسم بالسمات التالية: لم تعد السلطة منحصرة في الحاكمية و الحكومة التي تخلّصت بدرجة كبيرة من حالة العنف. كما لم تعد السلطة وليدة القوة و السلاح٬ و إنّما وليدة العلم و العلاقات و التوافقات و يمكن دراستها و متابعتها عن طريق السايبر و الشبكة العالمية.

    إنّ الظاهرة المهمة الأخرى التي أفرزتها العولمة هي نشأة و انتشار أنواع الحركات الاجتماعية. و هي إمّا حركات منبثقة عن المشاكل العالمية أو إنّها ذات صلة بها٬ مثل «الحركة البيئية» و «حركة السلام» و «حركة المرأة». أو قد تكون ثمرة التوسّع في التواصل ما وراء القومي ( نظير بعض الحركات العربية). كل هذه القضايا بدءاً بالأمن و التهديد و السلطة و القوة و انتهاءً بظهور الحركات الاجتماعية ترتبط بشكل أو بآخر بمأموريات الشرطة. و بناءً على هذا٬ فإنّ الأجواء العالمية و خصوصياتها٬ و أسباب الظهور و تبلورها ... إلخ٬ تنطوي على أهمية بالنسبة للشرطة (7و8).

    الكلمات المفتاحية:

    العولمة، الأمن، الحركات الاجتماعية، العنف، النزعة العالمية.

    الإحالات:

    1-     گل محمدی، احمد. جهانی شدن، فرهنگ، هويت. طهران: نشر نی، ج. 1، 2002م ، ص 64.

    2-     کيت، نش. جامعه شناسی معاصر، جهانی شدن، سياست، قدرت. ترجمة: محمد تقی دلفروز، طهران: منشورات کوير، ط. أولى، 2001 م، ص 75.

    3-     اخوان زنجانی، داريوش. جهانی شدن و سياست خارجی. طهران: مرکز الطباعة و النشر في وزارة الخارجية، ط. أولى، صص 72، 93، 178.

    4-     پول، کندی. پيدايش و فروپاشی قدرت­های بزرگ. ترجمة: عبد الرضا غفرانی، طهران: منشورات اطلاعات، 1991 م، ص 20.

    5-     کاظمی، علی اصغر. جهانی شدن، فرهنگ و سياست. طهران: نشر مرکز، ج. 1، 1996 م، ص 64.

    6-     اخوان زنجانی. المصدر نفسه، ص 151.

    7-     اخوان زنجانی، المصدر نفسه، ص 118.

    8-     رونالد، روبرتسون. جهانی شدن، تئوری اجتماعی و فرهنگ جهانی. ترجمة: کمال پولادی، طهران: نشر ثالث، ج. 1، 2001 م، ص 119.

     

     

     

رأيك